محمد بن جرير الطبري

254

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الآخر ، فترك ذكر منهم لدلالة الكلام عليه ، استغناء بما ذكر عما ترك ذكره . فإن قال : وما معنى هذا الكلام ، قيل : إن معناه ، إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من يؤمن بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم . فإن قال : وكيف يؤمن المؤمن ، قيل : ليس المعنى في المؤمن المعنى الذي ظننته من انتقال من دين إلى دين ، كانتقال اليهودي والنصراني إلى الإِيمان ، وإن كان قد قيل إن الذين عنوا بذلك من كان من أهل الكتاب على إيمانه بعيسى ، وبما جاء به ، حتى أدرك محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به وصدقه ، فقيل لأَولئك الذين كانوا مؤمنين بعيسى وبما جاء به إذ أدركوا محمد صلى الله عليه وسلم : آمنوا بمحمد وبما جاء به ، ولكن معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع ثباته على إيمانه وتركه تبديله . وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين ، فالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به ، فمن يؤمن منهم بمحمد ، وبما جاء به واليوم الآخر ، ويعمل صالحا ، فلم يبدل ولم يغير ، حتى توفي على ذلك ، فله ثواب عمله وأجره عند ربه ، كما وصف جل ثناؤه . فإن قال قائل : وكيف قال : فلهم أجرهم عند ربهم ، وإنما لفظ من لفظ واحد ، والفعل معه موحد ؟ قيل : " من " وإن كان الذي يليه من الفعل موحدا ، فإن له معنى الواحد والاثنين والجمع والتذكير والتأنيث ، لأَنه في كل هذه الأَحوال على هيئة واحدة وصورة واحدة لا يتغير ، فالعرب توحد معه الفعل وإن كان في معنى جمع للفظه ، وتجمع أخرى معه الفعل لمعناه ، كما قال جل ثناؤه : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ فجمع مرة مع من الفعل لمعناه ، ووحد أخرى معه الفعل ؛ لأَنه في لفظ الواحد ، كما قال الشاعر : ألما بسلمى عنكما إن عرضتما * وقولا لها عوجي على من تخلفوا فقال : تخلفوا ، وجعل " من " بمنزلة الذين . وقال الفرزدق : تعال فإن عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان فثنى يصطحبان لمعنى " من " . فكذلك قوله : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وحد آمن وعمل صالحا للفظ من ، وجمع ذكرهم في قوله : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ لمعناه ، لأَنه في معنى جمع . وأما قوله : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فإنه يعني به جل ذكره : ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة ، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده . ذكر من قال عني بقوله : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ مؤمنو أهل الكتاب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط بن نصر ، عن السدي : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا الآية ، قال : نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي ، وكان سلمان من جند يسابور ، وكان من أشرافهم أشراف جند يسابور ، وكان ابن الملك صديق سلمان الفارسي صديقا له مواخيا ، لا يقضي واحد منهم أمرا دون صاحبه ، وكانا يركبان إلى الصيد جميعا . فبينما هما في الصيد إذ رفع لهما بيت من عباء ، فأتياه فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه وهو يبكي ، فسألاه ما هذا ، فقال : الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما ، فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزلا